الأربعاء , ديسمبر 11 2019
الرئيسية / المكتبة / الانعكاس النفسي – الضحية والسفاح

الانعكاس النفسي – الضحية والسفاح

#نظرية_الانعكاس_النفسي :
#الضحية_والسفاح
 
يسألني أحدهم حول ما يشاع من بعض المدربين الضالين “هداهم الله” أن ما يحدث للشعب في غزة و سوريا وليبيا والعراق واليمن ..الخ من قتل وتشريد هو إنعكاسهم, وأنهم يستحقون ذلك ؟ وأن هذا هو تفسير واقعي لنظرية الانعكاس فلا يمكن أن تخطئ هذه النظرية, لأن كل شئ يصدر عنه انعكاسه, وهذا إنعكاسهم؟
 
سؤال مستفز جداً, لأن كل من درس معي يعلم أن الضحية ضحية والجلاد جلاد, و لا يمكن للضحية أن تصبح جلاد نفسها إلا إذا ارتضت لنفسها واقع هي تستطيع تغييره, أما إن كان الواقع مفروضاً عليها بلا حول منها ولا قوة فهي ضحية وأمرها الصبر, فمن يصبر فإن حسابه على الله عز وجل.
فليس المرضى و لا الثكلى و لا المذبوحين و لا المشردين هم السبب فيما يحدث لهم من أحداث إن كانوا مجبورين على ذلك بلا حول منهم ولا قوة, إن كانوا قد وقعوا نتيجة لقوى عظيمة لا يقدرون عليها, فماذا يفعل القش أمام النار!!! إلا أنه إن جابهه فسوف يحترق كلياً ولا يبقى منه شئ, فما عليه إلا أن يصبر حتى تحرق منه النار ما تحرق, حتى تنطفئ من ذاتها, فهو لن يستطيع إطفاؤها, بل إن إقترب أكثر منها كان هو الطعم و الغذاء والفتيل لها لتزداد وتستعر…. هذا هو حال أهل تلك الدول البريئة مما يحدث فيها من حروب, فليسوا هم سبب ما يحدث لهم, بل أطماع القوى المتحاربة هي التي تقضي عليهم من أجل المال و السلطة, ولذلك فهجرتهم و خروجهم هو أمر أساسي, لكي يفقدوا هؤلاء المتحاربين قدراتهم كلياً, لأنه لا حكم بلا شعب, فإن هاجر الشعب لن يجب هؤلاء أحد ليحكموه, فعندها تنتهي قدراتهم وينقلبوا خاسئين.
لذا فالسبب فيما يحدث مع هؤلاء الأبرياء هو انعكاس الجبهات المتحاربة و مصالح الدول الداعمة, وليس إنعكاس هؤلاء الأبرياء, فهم ضحية إنعكاسات هؤلاء المتحاربين, قد وقعوا بينهم بلا حول منهم ولا قوة.
لنتحدث عن الانعكاس النفسي:
تعلم أنه مثلما أنك موجود في هذه الحياة فغيرك أيضاً موجود. لذا إعلم أخي القارئ أن قوانين الإنعكاس جزء من علم البصريات. ولها مبادئ وقوانين تظهر بها.
 
إن نظرية الانعكاس النفسي تكون سليمة بأن يكون كل ما يحدث في الوجود هو نتيجة عن تصرفاتك بالمطلق فيما لو كنت تعيش وحيداً بالوجود!
و لكن هذا الأمر لا يتحقق, لأننا نعيش شعوباً و قبائل و بشر كثيرون في الوجود, و لكل واحد منهم إنعكاساته فيه منهم الصالحون ومنهم الطالحون الأشرار – (لذا فإن قال لك أحد أن كل شئ في حياتك هو انعكاس لك, فقل له هذا غير سليم لأنني لا أعيش الحياة وحيداً).
 
إن انعكاسات الوجود تتداخل مع بعضها البعض, فمنها من يتوافق في العمل, و منها من يخالف في العمل, فإن وقع وفاق بين مجموعة من الانعكاسات, صالحة أو طالحة (من أهواء ومصالح) شكلت قوة معاكسة للانعكاسات الأخرى التي تجابهها صالحة أو طالحة, فإن تعارضت مباشرة مع انعكاسات أخرى, كان الأقوى منها هو المسيطر, و لذلك في حال التعارض تجد الحروب والدمار يحل على الكثير منها, وفي حال التصالح تجد أن السلام يعم البلاد, و كذلك نستطيع ان نسقط هذا الأمر بين الأفراد حيث يظهر ذلك في الحياة على ما يحدث في البشر من أهوال وأحوال أو ما يحدث بينهم من مصالحات و سلام..
 
نلاحظ أن ما وقع في ليبيا وسوريا و اليمن و العراق..الخ, أنه للكثيرين مصالح توافقت ضد الإنعكاس السليم للإرادة المجتمعية الشعبية, فتواجهت كل تلك الانعكاسات أو الأهواء والأطماع بين جميع الجبهات, فنتج عن ذلك هروب الكثير من الناس أو الموجات من جميع أطراف المجابهة وهو بالواقع ( الهجرة والدمار الذي حل بالشعب).
وفي نظرية الانعكاس يتم شرح ذلك أن الموجات الأضعف خرجت من المجابهة من جميع الأطراف, و بقيت المجابهة بين الإنعكاسات المتكتلة مشتعلة,
لا نقول بين الخير و الشر, بل هي بين إنعكاس أهواء البشر, والتي في محتوى كل واحدة منها يمكن أن يتواجد الخير و الشر, فكلها أهواء بشرية,
وأيضاً لا نقول حلال أو حرام, بل خير و شر , لأن الأمران مختلفان كلياً , لأنه في هذه الحالة من المجابهات يكون القاتل والمقتول في النار, بسبب أن كل واحد يحارب لنفسه و ليس لإعلاء كلمة ربه.
 
أما الشعب البريء فهو الضحية في الوسط و يتلقى الضرب بين الهاون و السندان من جميع الجبهات المتحاربة, فهؤلاء إنعكاسهم كله خير وبركة من رب العالمين, لأنه من مات منهم فهو شهيد, وهذا هو انعكاسه ( الشهادة في سبيل الله) ومن عاش منهم فهو سعيد, حتى و إن كانت عيشته صعبه جداً, ومشرد.
فنحن يجب أن نعلم أن الدنيا فانية, وما الحياة فيها إلا متاع الغرور, و كلها وهم وصور, و كله يختفي كلياً في نهاية المطاف, فكلنا زائلون, و لكن هؤلاء المشردين قد دخلوا في مقام عظيم مع الصابرين ( وهذا انعكاسهم طالما أن صبرهم في سبيل الله). ومن المهم أن يفهموا ذلك حتى يصبروا عليه ويغيروا من واقعهم لصورة أفضل في الوجود.
فمن مات ومن حي منهم من أعظم المقامات عند الله ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) إذن بإذن الله و رحمته و كرمه لن يقع عليهم الحساب يوم القيامة , لذا فهم في نعيم مثل الشهداء, لأنهم صبروا على أهوال الدنيا, و صبروا على أنهم وقعوا ضحية للمتحاربين, وهذا كان لهم امتحان من رب العالمين لكي يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة برحمته عرفها لهم, بلا حساب أو سابقة عذاب, لذا فإنعكاسهم رائع وعظيم, و ما حدث معهم هو رحمة من رب العالمين.
فقد أراد أن يختبرهم بغير إرادتهم, و يأجرهم رغم أنوفهم ( يكرم المرء رغم أنفه) , و أراد أن يثبت لهم أن رحمته أوسع مما يتخيلون, فحين وضعهم في مصاب في الدنيا, هذا لأنه يريد أن يرفع عنهم مصاب الآخرة .. و الله أعلم, والحكمة دائماً لله.
فحين يدخل أشقى الناس في الجنة يتم سؤاله هل وجدت شقاوة في حياتك من قبل, يقول أبداً لا أذكر منها أي شئ أبداً, و ذلك من فضل نعيم الله عليه.
 
في الإنعكاسات عندما يتجابه شعاعين, يصدر عنهما أشعة انعكاسية متطايرة كثيرة تصيب باقي الأشعة من حولها بضرر, فهذا حال المصابين من باقي الدول جراء هذه الحروب, فمنهم من يزيد ويقوى شعاعه ( المستفيدين من الحرب) و منهم من يصاب بأشد الألم و ينحرق شعاعه ( المتضررين من الحرب) و منهم من لا يتأثر كثيراً ( الغير مستفيدين و غير متضررين من الحرب) , و هذا أيضاً ليس إنعكاسهم, بل هو تأثير إنعكاس الآخرين عليهم.
لذلك يجب أن نعي أننا لسنا الوحيدون الذين يعيشون في هذه الحياة, و أن تأثيرات الآخرين علينا عظيمة, و أننا في كل لحظة من لحظات الحياة فنحن في إختبار و إمتحان و إبتلاء, وكل ذلك لله رب العالمين, فلا ننسى أبداً أن الدنيا لله, و كل ما فيها لله, و كل ما يحدث فيها بأمر الله و علمه ومنه و كرمه و فضله و عطائه ورحمته, وصور هذه الرحمات تختلف في ظهورها, فتظهر الرحمة بالعذاب, و يظهر العذاب بالرحمة, فهذه صفة فتنة الأعور الدجال, إن دخلت جنته فقد دخلت النار, و إن دخلت ناره فقد دخلت الجنة, لذلك لا ترد أمر الله بل إعبد الله في كل أمره, وامتثل لجميع أوامره مهما ظهر شكلها وكن مع الصابرين.
مثال: نجد أن الشعب الفلسطيني قد اغتصبت أرضه, فهو الضحية الذي تم إغتصاب أرضه , و تم تشريده من 1948, و مرة أخرى في 1967 , و مرات عديدة ولغاية اليوم يتم التشريد و التجويع و سد المعابر و منعه من السفر أو منعه من الرجوع أو منعه من العمل أو منعه من التجارة أو منعه من الكثير من الحقوق الأساسية و الطبيعية في أي بلد آخر. .. إذن هو ضحية لعدوان غاشم, هو ضحية لمؤامرات داخلية و خارجية, هو ضحية لقوانين لا يتم تفعيلها لأسباب معروفة وغير معروفة.
في هذه الحالة ما أرفضه جملة وتفصيلاً هو أن يعيش الفرد دور الضحية المكلومة والمغلوبة على أمرها فهذا خطأ كبير جداً, فهذا الشعب ومع كل ما يحدث معه فليس مغلوب على أمره, بل لكل واحد من أفراد هذا الشعب العظيم دور مهم في المجتمع, و دور مهم أمام الله عليه أن يقوم به.
كل واحد سوف يُسأل ماذا فعلت لتنجح بهذا الإمتحان الذي امتحنك إياه رب العالمين بأن جعل من خلقه من يغتصب بلادك, و جعل جميع القوانين الدولية ضدك؟ هل فهمت الحكمة مما حدث أم مازلت تبكي الماضي ؟؟؟ هذا هو مربط الفرس فيما قلت في هذا المقال, إذ لا يجب أن نبكي الماضي ولا يجب أن نجلس مكتوفي الأيدي, بل علينا بالعمل الجاد, فمن احتل بلادنا بالسلاح ومنعنا من استردادها , نستطيع أن نردها بالعلم والكفاح, و أن نحتله فكرياً وإقتصادياً وعلمياً, فليس كل شئ هو السلاح والسلطة, فالكلمة الحق أقوى من جميع السلطات لأنها حق, وحق على الله نصر المؤمنين. لذا علينا أن نتشبث بالإيمان, و أن نعمل كل ما أراد رب العالمين منا أن نعمل, فيكون هو نعم النصير لنا, وهو حسبنا ونعم الوكيل.
 
خلاصة لما سبق : فأنت مسؤول عن توجهك لله رب العالمين, وكل ما يقع من حولك هو إبتلاء وإمتحان و إختبار لك من ربك, يظهر بصور الحرب أو السلام, فماذا أنت فاعل في كلا الحالتين !؟ فكلاهما واحد { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } .
إنعكاسك هو فهمك لما يحدث و حسن توجهك وإتخاذك للقرار السليم, بأن يكون كما أمر الله فقط. فحين تحارب وتجابه ما حولك بما أمر الله فأنت مؤمن قوي, وحين تعلم أنك إن واجهت فأنت تدعم الظلم ليحل أكثر فعليك بالإنسحاب كلياً وأنت مؤمن ضعيف, ولكن في كل خير, أي يتساوون في الخير لأن أمرهم لله, فما بين كر وفر أنت في كلاهما لله , لذا يجب أن يكون انعكاسك هو فقط تنفذاً لأمر الله في كلا الحالتين, فإن لم تفعل فلن يكون لك إنعكاس بل ستقع في الظلام, وفي ضلال بعيد.
 
د.فادي الكيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by WebEx-It ELBOUAZIZI