الأربعاء , ديسمبر 11 2019
الرئيسية / المكتبة / ظاهرة إرتفاع نسبة الطلاق

ظاهرة إرتفاع نسبة الطلاق

ظاهرة استوقفتني كثيراً وهي ارتفاع نسبة الطلاق,

لذلك أرغب بأن أتحدث عنها في هذا المقال لعل حديثي يعطي فائدة للقراء الكرام, ويلفت إنتباه

المتخصصين لنقاط مهمة لكي ينتبهوا لها في عملهم مع عملائهم الذين يتوجهون إليهم بالمشورة

والنصح.

لذا يسرني أن ألقي الضوء على نقاط عدة أعالج من خلالها هذه المشكلة, التي أرغب بمناقشتها

معكم عبر هذا المقال, والذي أضع لكم فيه جزء من وجهة نظري الشخصية في هذا الأمر وأهم

الأسباب التي أجدها مستجدة وحديثة اليوم فاقمت هذه المشكلة وزادتها, وكذلك أضع لكم بعض

المقترحات والنصائح والتوصيات لعلها تكون مفيدة في علاج هذه المشكلة.

 

طبعاً لن أستطيع أن أناقش جميع النقاط الخاصة بالموضوع, ذلك لأن أسباب إرتفاع نسبة الطلاق

كثيرة, كما أنها في الكثير من الأحيان أسباب فردية, ولكنني سوف أركز على بعض النقاط التي 

أعتبرها محاور رئيسية تزيد من مشكلة الطلاق في عصرنا هذا.

 

إرتفاع نسبة الطلاق :

 

إن مشكلة الطلاق هي مشكلة كبيرة وخطيرة تهدد بناء الأسرة والمجتمعات, حيث أنه 

يلاحظ سنوياً زيادة تصاعدية في معدلات الطلاق نسبةً لـ معدلات الزواج , هذه المشكلة يواجهها

العالم العربي والعالم أجمع و تتفاقم سنة بعد سنة , تعد هذه المشكلة خطيرة جداً في بناء الدول

والحضارات, لأننا نجدها هي السبب الأول الذي يهدد جميع شعوب العالم و تهدد الأسرة

بالانقراض, ذلك لأن حيثياتها كثيرة جداً, فهي تزيد من إشاعة الرذيلة والفجور, وما شاع الفجور

في قوم إلا اندثروا, وقد بحث الكثيرون في هذا الأمر , ووضعوا الكثير من الإحصاءات والأبحاث

يوضحون فيها الأسباب الكثيرة التي تؤدي لزيادة نسبة الطلاق, وتم دراسة هذه الأسباب كذلك

ووضع مناهج وتوصيات لمعالجتها, إلا أنها مشكلة مازالت قائمة , بل وفي ازدياد متسارع دائماً.

 

وإني أرى أن زيادة نسبة الطلاق ترجع لأسباب متغير في كل عصر, ولكنها قد ظهرت حديثاً بصور

تتلخص في أن المجتمعات اليوم قد تعرضت لحالة من الإنفتاح و الحضارة التكنولوجية المتسارعة,

بشكل أثر عليها سلباً, وخصوصاً على مستوى بناء الفرد و المجتمع, فهذه الحضارات والثقافات

المتغيرة و المنصهرة والمتفاعلة بين بعضها البعض, وخصوصاً بعد أن العالم أصبح اليوم قرية

صغيرة جداً, فإنها تغير في كل مجتمع ارتبط بهذا التفاعل, و أصبحت تضع له قيم جديدة و تبني

فيه معتقدات وأعراف لم تكن لديه في السابق.

 

نلاحظ أن التأثيرات المجتمعية العالمية أصبحت بعد الانفتاح التكنولوجي خطيرة جداً, فأصبحت

عجلة التغيير منطلقة بتسارع لا يستطيع معها الفرد المقاومة أو اللحاق بها, فتسارع الأحداث

والمعلومات لا يمكن لأحد اليوم أن يلحق به, أو أن يتوقف حتى ليفكر إن كانت المعلومة صحيحة

أم فاسدة, لأن المعلومات التي تلحقها وتطمس معالم سابقتها أكبر بكثير من أن يتوقف أحد عند

معلومة واحدة ليتحقق منها. فأصبحت كل يوم أفكارنا تتجدد مع معتقدات دخيلة تؤثر علينا  سلباً و

إيجاباً شئنا أم أبيناً, مثلاً لقد كنا نرفض الشبكة العنكبوتية في السابق, واليوم لا نقوى على

العيش بدونها, كنا نرفض الزواج عبر التعرف من خلال الشبكة العنكبوتية, اليوم لا يمكن التواصل

من أجل الزواج إلا من خلالها فقط, أي أن كل شئ يتغير بتغير العصور وتخلف المعتقدات بإختلاف

شدة تأثير هذه الأفكار الدخيلة من شتى المجتمعات على بعضها البعض.

 

لقد تعرفنا من خلال هذا الإنفتاح القوي على الحضارات والشعوب, أنه بالنسبة لعادات الزواج في

بعض المجتمعات يكون مثلاً في سن صغيرة جداً, وأخرى في سن كبيرة جداً, ونجد في شعوب

أخرى أن فكرة الزواج هو أمر محرم و ممنوع في شرائعهم, وفي مجتمعات أخرى نجد أن السيدة

هي من تختار لنفسها عدد من الأزواج لا يعد ولا يحصى وذلك بحسب إختيارها كما كان هذا الأمر

في الجاهلية, وما زال في بعض الشعوب لغاية اليوم, وفي مجتمعات أخرى نجد أن الأسرة

تشترك في زوجة واحدة كما في بعض القرى في الهند مثلاً, وكذلك نجد حتى يومنا هذا في الهند

وأمريكا أيضاً حالات من الزواج من حيوانات أو حتى جمادات لا يقبلها أي عاقل, كما ونجد مجتمعات

أخرى أن الرجل يمكن أن يمتلك عدد كبير من الزوجات كما في بعض القبائل الإفريقية وكذلك في

بعض قبائل غابات الأمازون وايضاً في جنوب شرق أسيا والهند, وهكذا فإن المجتمعات على الكرة

الأرضية تختلف من مكان لمكان آخر ومن زمان لزمان آخر, فأغلبها يحكمها العرف السائد وليس

الشرع السماوي.

 

ما يهمنا اليوم هو المجتمعات العربية وليس باقي مجتمعات العالم, حيث أن الدول العربية تميزها

الديانات السماوية والتي ينصاع اليها جميع سكان هذه الدول بشتى انتماءاتهم الدينية كانت

إسلامية أم مسيحية أم يهودية, فالأصل في الزواج لديهم واحد, هذا بخلاف باقي المجتمعات الغير

موحدة فالزواج لديهم يختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر بحسب الأعراف, ومن معتقدات وتقاليد

تتراوح بين القريب من ديانات التوحيد وبين ما لا يمكن لعقل بشري استيعابه أبداً من حالات غير

منطقية أبداً, بل تدل على شذوذ خطير جداً, قال تعالى (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا

الضلال فأنى تصرفون) سورة يونس 32. لذلك فإن الزواج خارج نظام التوحيد هو زواج باطل

بالنسبة لأهل التوحيد, فهو لا يحقق شروط الزواج الحقيقية من بناء أسرة سوية.

 

# عدم الاستقرار:

من رؤيتي الشخصية أعتقد أن المجتمعات العربية أصبحت غير مستقرة بسبب عدم استقرارها

السياسي و الإقتصادي, و الإجتماعي, وهذا يؤكده ارتفاع الفجوة بين الطبقات في المجتمع,

فأصبح هناك ثروات هائلة في طبقة معينة وبالمقابل فقر مدقع في طبقة أخرى, لذا نجد أن

العدالة الإجتماعية تتفاوت بين بلد وآخر, وبين مدينة وأخرى, وبين طبقة و أخرى, ففي حين أن

دخل الفرد في بلد ما يصل لآلاف الدنانير شهرياً نجد أنه في بلد آخر لا يتجاوز بضع المئات, و في

آخر لا يتجاوز عشرات الدنانير, و أحياناً يكون اقل. هذا يولد عدم إستقرار بين فئات الشعب,

يدفعهم للتمرد والثورة, لأن أبسط حقوق الإنسان مهضومة, فلكل إنسان حق في الحياة

والزواج والعمل والتعبير عن الرأي, ولكننا نجد أن هذه المقومات الرئيسية أصبحت حلم في الكثير

من البلاد العربية, ولهذا نجد هذه البلاد قد دخلت في حروب أهلية طاحنة, وما زالت تعاني من

ثورات وعدم إستقرار سياسي أو حتى إجتماعي, تعيش بلا أمان, ولا نظرة للمستقبل, فـ مستقبل

الفرد فيها مجهول, فلا استقرار ولا أمان, وكيف لأحد أن يتطور بدون الشعور بالأمان و السكينة و

الاستقرار!!!

 

وظائف وهمية:

في المقابل تجد دول أخرى تزدهر بما لذ وطاب, وأهلها ينعمون بملذات الدنيا بما يتناقض مع

الاحتياج الطبيعي لكل إنسان, فصنعت ظروف أخرجت أنواع جديدة من الوظائف الوهمية, والتي

تدر الكثير من المال, وذلك لكي يشابه الفقير الغني في غناه, وأيضاً ليزداد الغني غناً أكثر مما هو

عليه بدون تعب, مثلاً فقد انتشرت حالات وظيفية تسمى ( الفشينيستا, اليوتيوبرز و

الإنستاجرامرز “وهنا أتحدث عن الذين يقدمون مواد تافهة في الأغلب”, وكذلك انتشر ما يسمى

بالتسويق الشبكي الذي يمتص تعب الشباب في حلقات مفرغة و يعلمهم النصب لمصلحة أفراد

يتحكمون في كل شئ ويتركهم في حلم الغنى الوهمي…الخ) وهنا تجد اندفاع الشباب نحو هذه

الوظائف الوهمية, لأنهم من خلالها استطاعوا أن يحققوا أرباح ما كان لهم ليحققوا ربعها عبر

الطرق الشرعية والحقيقية المبنية على العلم والتجارة, وبذلك تركوا الإهتمام بالثقافة والعلم و

التجأوا إلى الربح السريع عبر جعل أنفسهم سلعة يبيعونها لمن يدفع أكثر, ولا أعتقد أن أحد يرغب

بالارتباط بما هو مشاع للجميع, بل وإن هذه الوظائف الوهمية هي سبب حقيقي يؤثر بالفعل

على بناء الأسرة والمجتمع لأنها بالأصل وظائف وهمية لا يمكن أن ينبني عليها اقتصاد أي دولة. 

 

# الفهلوة والنصب الخفي :

نلاحظ أن المال أصبح سهل المنال للكثيرين الذين يستخدمون طرق الفهلوة للحصول عليه, وليس

بالعلم أو الكد و التعب كما هو متعارف عليه, بل أصبح التسويق للحصول على الدخل السلبي (أي

بدون تعب) منتشر جداً, أؤكد أن لهذا الأمر تأثير بالغ في انضباط الشعوب, حيث أنه في الزمن

الماضي كان الأغلب من الشعوب هم الموظفين, فهم كانوا مرتبطين بوظائف تدر عليهم دخل

شهري محدد وتأمين صحي وراتب تقاعدي بعد ذلك, فتجد الموظف منضبط في حياته حتى يحصل

على تقاعده بدون أن يتم خصم شئ منه, هذا الإنضباط أثر عليه في الأسرة بأن جعلها منضبطة و

أثر في المجتمع ككل بأن جعله منضبطاً كذلك, فكانت قاعدة العيب منتشرة في كل مكان, وهي

قاعدة تحمي المجتمعات من السفوف وعدم الإنضباط, كان الجميع يأكلون من كدهم وتعبهم, ولم

يكن لأحد أن يحصل على المال بأي طريقة غير العمل والاجتهاد, أما اليوم فقد ظهرت ميول جديدة

و نزعات خارجة عن المألوف في الحصول على المال بدون تعب ولا كد, بل أصبح الالتجاء للطرق

الغير الشرعية بمسميات شرعية تم اختلاقها لتسهيل هذا الكسب الغير مشروع, مما أدى إلى

التمرد على الوظيفة النمطية بشكل سيئ جداً, ليواكب حركة التغيير العالمية, والتي فرضت

وظائف حرة وهمية تعمل من خلال العمل الحر الغير مرتبط بالأخلاق أو القوانين والمبادئ, بل

أصبح كل من يرغب بكسب المال يختلق سلعة خاصة به و يروج لها أنها المنقذ للبشرية و يبيعها

بأثمنة باهظة وهي لا تسوى شئ, ويلجأ لقاعدة القانون لا يحمي المغفلين, فكيف لمثل هذه

الشخصية أن تحافظ على عش الزوجية, وهو لا يحافظ على أن يكون ماكله حلال !!!

ستجد مثل هؤلاء متربصون في أزواجهم لكي ينصبوا أيضاً عليهم في أي وقت من الحياة,

فهذا هو أسلوبهم حتى مع أقرب الناس لهم, فالحياة لهم فرص للكسب فقط.

 

الإنضباط:

يندرج مع نقطة الفهلوة أيضاً نقطة الإنضباط, فقد تغير المجتمع بأن خرج الكثيرون من تصنيف

الموظفين وأصبحوا في تصنيع رجال الأعمال الوهميين والشغل الحر الغير متعلق بأي قواعد أو

قوانين سوى ما يضعه صاحبها على مزاجه من أهواء وتتغير بحسب رضاه الشخصي, بالطبع

تلاشى التأمين الصحي وتلاشى الراتب الشهري وكذلك تلاشت فكرة الراتب التقاعدي, وهم أهم

المرتكزات الراسخة في المحافظة على الزواج والأسرة, فحين تلاشت هذه الأشياء تلاشى

الإنضباط, وبذلك زادت نسبة الطلاق, لأن من يرغب بالاستقرار الزوجي ولا يجد في زواجه اي أفق

مستقبلي لن يتابع في بناء شركة فاشلة, لذا فقد أثر ذلك جلياً في المجتمع, غير أن العمل الحر

يرفض الإنضباط ويحتاج إلى حرية وعدم الدخول في مسؤوليات شهرية, وكلنا يعلم أن الحصول

على المال من خلال العمل الحر يكون متذبذب, في صعود وهبوط, ولذلك تختفي فكرة

الإنضباط في العمل الحر, وهو ما يلغي في النفس حال السكينة, ولذلك ترتفع نسبة

الطلاق بين أصحاب العمل الحر, لعدم تمكنهم من الإنضباط.

 

رفض فكرة الوصاية:

الوصاية ليست مجرد قدرة الأهل على التأثير على الأبناء, بل هي ايضاً قدرة المدراء في التأثير

على الموظفين, و قدرة السلطة في التأثير على الرعية, كما ونتحدث هنا عن وصاية الضمير

الحي والحياء.

لكننا سنتحدث في فكرة الوصاية على عاملين مهمين وهما:

  • وصاية الأهل وكبار السن:

رفض الأبناء الوصاية عليهم من الأهل وكبار السن المبجلين, فقد تم تغييب فكرة كبير البيت, وتم

إهمال فكرة توقير كبير العائلة, ولهذا السبب تجد أن الأبناء لا يستمعون لأحد حين تواجههم أي

مشكلة, بل يلجؤون مباشرة للطلاق, دون أن يتركوا الأمر لمن هم أكثر منهم خبرة لكي يواجهوه

معهم و يحكموا بينهم بالعدل, أو يرشدوهم لما هو في مصلحتهم, حيث أن الكبير لديه خبرة عملية

أفضل من الصغير ولكن الأغلب اليوم يعتد بنفسه و بفكره, و يظن أنه لا يجب أن يكون

هناك مرجعية لأحد, غير مرجعيته لنفسه, بالطبع هذا أمر خطير, لأن الأصل دائماً هو وجود مرجعية

يتم الرجوع إليها والأخذ بقراراتها الحاسمة في المواقف الصعبة, وعلى الجميع تنفيذ هذه

القرارات, فهذا الأمر هو من أصول الفقه في الزواج, حيث أقر رب العالمين صفة الحكم من أهل

الزوج و الزوجة, ولكن حين تم إهمال ما أمر به رب العالمين من المرجعية, بالطبع زادت نسبة

الطلاق كثيراً.

  • وصاية الضمير وقانون الحياء:

إن قانون الحياء مهم جداً, وعليه ينبني الإحترام المتبادل بين الزوجين, فهو يمنع الإفراط أو التفريط

في العلاقات الزوجية, فهو كــ الرقيب الداخلي في ضمير الحي, والذي يظهر بشكل من أشكال

الاحترام والخشية, لذلك هو ضروري جداً في بناء الأسرة السليمة, ولكن حين إنتشرت فكرة

العمل الحر, والكسب بالطرق الغير مشروعة دينياً, حيث وجدت لها قانون من ضمن القانون, هذه

الطرق في الكسب تعتمد على قلة الحياء والإستهتار, وعدم الانضباط الأخلاقي, فبالطبع سيكون

الطلاق أول شئ يفكر فيه هؤلاء المستهترين, فهم لا يؤمنون في بناء الأسرة, إيمانهم منصب

على المال والشهرة والكسب السريع فقط, يستغلون كل شئ لمصلحتهم, يفعلون كل شئ وأي

شئ لزيادة شهرتهم, لأن شهرتهم هي التي تدر عليهم المال بدون تعب, فتجدهم ينشرون صوراً

ومواقف تشمئز منها الحيوانات, ويظهرون مفاتن يتفاعل معها أصحاب الشهوات. وكل ذلك يعملونه

دون أي إعتبارات دينية أو اجتماعية أو أخلاقية, بلا إحترام أو خشية من أحد, ولا حتى لمن معهم

في ذات المجال, بل يفتعلون أي شئ من مشاكل أو تعليقات أو افتراءات أو فتنة أو إرجاف في

المجتمع لزيادة الشهرة وزيادة كسب المال, فلا قوانين تحكمهم, ولا حياء يمنعهم, بل هو

الاستهتار التام, يعيشونه في العالم الإفتراضي في فضاء مفتوح كلياً لهم, ولهذا فإن نسب

الطلاق بينهم أو بين من يتأثر بهم عالية جداً, كما و أن نسب زواج المتعة والعلاقات المحرمة في

هذه الفئة كبير جداً, فهي أيضاً طريقة للكسب السريع يستغلونها حين يبيعون أجسادهم لمن

يدفع أكثر, ف حياتهم منصبة على التمتع بالدنيا فقط..

أما عن حالهم النفسي فإنك تجد عند أغلبهم نوع خاص من التكبر لدرجة عالية جداً, وأيضاً نوع من

العصبية وعدم تحمل الآخرين أبداً, كما وتجدهم قد دخلوا في حالة من الاشمئزاز الدائم من كل

شئ, ومستعدون لخسارة أي إنسان من حولهم دون الحسرة عليه أبداً…

فهل بقي بعد ذلك ضمير أو أي جنس من أجناس الحياء!!!

 

التأثر بهذه الفئات كبير:

ولكن بنفس الوقت فليس جميع الناس من تلك الفئة المستهترة, بل هناك الكثير من فئة

المحافظين, ولكنهم أصبحوا يتأثرون جداً بسبب هؤلاء المستهترين, مما جعل المسؤولية عليهم

تتضاعف أكثر, ففي حين أنهم لا يقتنعون بمثل هذه الوظائف الوهمية للحصول على المال, إلا أنه

بذات الوقت فإن المطلوب منهم أكبر مما يقدرون على القيام به,  فتلك الفئات المستهترة تظهر

أمامهم في كل مكان بصور الغناء الفاحش و بدون تعب, فهذا قد أدخل هذه الفئات المحافظة 

بحالة من الشعور بالإحباط, فزادت لديهم نسبة عدم القدرة على تحمل المسؤولية بسبب الإحباط.

فبالطبع هذا يخرج المحافظ عن شعوره, و يفقده الثقة بمن حوله وبالمجتمع والأسرة والدولة وكل

شئ, فيرغب عندها بالانطواء على نفسه, عبر التخلص من جميع المتعلقين به, ليخفف عن نفسه

الحمل, فيلجأ للطلاق, لكي ينهي تعبه الذي أصبح لا يقدر على تحمل مسؤوليته بسبب أعباء

الدنيا وما يحدث من حوله.

 

من يتحمل المسؤولية:

البنات يرغبن بــ أزواج يتحملون نفقات الزواج, إلا أنهم يواجهون مشكلة أن المؤهلين للزواج و

الذين يؤمنون بالأسرة هم من محدودي الدخل, الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الزواج, كما أن

مسؤوليات الحياة أصبحت كبيرة, و غلاء المعيشة يزداد يوماً بعد يوم, كما أن الوظائف الوهمية

رفعت من مستويات المعيشة أضعاف كثيرة, لأنهم أصبحوا يدفعون المال بإستهتار, لأنه مال سهل

المنال بالنسبة لهم, و لهذا لا يعرفون قيمته, ولا يستطيع أصحاب الدخل المحدود مجاراتهم في

ذلك.

وهذه تعد مشكلة منتشرة جداً اليوم في أغلب المجتمعات العربية, لذلك نجد كل يوم حالات طلاق

تزداد بنسب أكبر مما سبقته, ذلك لأن الكثيرين لا يقدرون على متابعة تحمل المسؤولية, بل

أصبحوا يتفلتون منها متى ما سنحت الفرصة, كما أصبحوا يتفلتون من دينهم كما يتفلت القابض

على الجمر من الجمر, الكثيرات يخلعون الحجاب لأنهم أصبحوا يبحثون عن الدنيا والمرح وما

أشاعه لهم أهل الفسق من ملذات وشهوات و نجاحات وهمية, أصبح الكثيرون يؤمنون بأن طرق

الكسب السريع ليست حرام, بل هي طرق مشروعة طالما لها قوانين وضعية تنظمها, فأصبحوا

ينصبون على الناس بما أشاعه لهم أهل الفسق أنه لا يوجد مال حرام بل هو نوع من الذكاء

والفهلوة في سلب أموال الناس, وطالما أن المنصوب عليهم قد أعطوا المال من تلقاء ذاتهم إذن

هم المسؤولون عما أعطوه وليس من سلبهم المال بمكره!!! فالقانون لا يحمي المغفلين.


الدعوة للمساواة :

نقطة مهمة جداً بسببها ارتفعت نسبة الطلاق, وهي أن أنظمة التوظيف أصبحت مختلفة عن

السابق, فقد برزت الدعوة للمساواة بين الجنسين في كل شئ وخصوصاً في الفرص الوظيفية,

وهذا بحد ذاته سبب بليغ جداً لزيادة نسبة الطلاق و نقصان نسبة الزواج, فقد قلت الفرص للرجال

في العمل, إذ أخذت السيدات نسبة كبيرة من هذه الفرص التي كانت متاحة للرجال سابقاً,

فأصبحت اليوم البنت تتحمل مسؤولية نفسها, فلماذا سوف تحتاج إلى زوج معيل, فهي قد

استغنت عن المعيل, وبذات الوقت الذي استولت فيه على جزء كبير من فرص العمل,  ما

زالت تطالب الرجل بأن يتحمل مسؤولية الزواج والعائلة لوحده بالإضافة إلى مسؤوليتها!!! لذا

انتشرت أفكار صريحة بين الشباب وهي “الغبي فقط هو من يتزوج, والذكي هو من يصحوا من

وهم الزواج و ينفصل في أقرب وقت” , لذا فبالتأكيد سوف يقل عدد الزيجات وترتفع نسبة الطلاق,

لأن الشباب أصبح عاطل, بل وأصبح يتم إخراجهم من العمل و توظيف البنات في مكانهم.

البحث عن الدعارة المرخصة:

كما أن الفاشينيستات أصبحوا في كل مكان (وهذه الوظيفة هي نوع من الدعارة المرخصة)

فلماذا الزواج طالما أصبحت الدعارة مرخصة اليوم!!! كما أنه أصبحت هناك دعوى بين أهل الباطل

من أن العلاقات التوافقية بين الرجل والمرأة غير محرمة طالما تمت عن تراضٍ بين الطرفين,

وبالطبع أصبح الكثيرون يعتقدون بهذا الفعل الشنيع, بل ويطالبون بوضع قانون صريح له في الكثير

من الدول العربية…فلماذا الزواج؟ كما ولماذا يبقى المتزوج على قيد الزواج طالما أن الفرصة

أمامه ليستمتع بما طاب له من جميع أصناف النساء الجميلات جداً أن يتكلف عناء النكد الزوجي

المتعارف عليه!! و بأبخس الأثمنة.

 

منطق غير منطقي:

ومع كل ذلك ما زال المجتمع يعتقد بأن الشاب هو من عليه أن يستثمر بالزواج, ومن عليه بناء

الأسرة, ومن عليه الصرف حتى آخر فلس يمتلكه, بل وعليه أن يستدين ليوفي تكاليف الزواج!!!

ولا ننسى أيضاً أن ذات الشاب هو من تم تجريده من الوظائف التي تدر عليه الدخل الكافي للزواج

عبر المنافسة النسائية له!!! ولا ننسى أيضاً أن جميع فرص الدعارة المرخصة أصبحت في متناول

جميع الشباب مع أجمل جميلات العالم وبأعلى التقنيات التي يرغبون بأن يتلذذوا بها, وبتكاليف

بسيطة جداً, كل ذلك مقومات كبيرة جداً تمنع الزواج, بل وتدفع المتزوجين إلى الطلاق الفوري, إلا

من رحم ربي ويرغب بالحلال فقط, وهؤلاء أصبحوا اليوم قلة قليلة.

طبعاً ما يحدث اليوم هو أمر غير منطقي, إلا أنه حاصل في المجتمعات العربية,

بل في جميع المجتمعات العالمية, ولهذا تجد أن الكثير من الشباب المتزوج يلجأ للطلاق,

لأنه لا يستطيع أن يكفي نفسه, فكيف له أن يكفي أسرة وزوجة تعمل لنفسها فقط, ولا تريد

مساعدته في بناء الأسرة!!! أليس الخارج من كل ذلك قد ولدته أمه من جديد, لذا فبالطبع سوف

يهرب كل من أوقع نفسه في بوتقة الزواج, ليخرج للحرية من قفص كله إسراف وعدم تقدير.

 

إلا أن الكثيرين مقتنعين أن وظيفة الزوج هو بنك المال والمعيل الأول و الأخير للأسرة, بالطبع فهذا

فيه شئ من الصحة, ولا أختلف معكم في ذلك, ولكن كيف لك أن تمنع عن المعيل مقومات الحياة

المستقرة و تطلب منه أن يعيل؟ وبذات الوقت تعطي هذه الفرص للزوجة و لا تطلب منها حتى

مساعدة المعيل؟ وتفعل كل ذلك بأن تضع له شرعية بإسم الدين؟ !!! غير منطقي أبداً.


تحديث فقه الزواج:

برأيي أنه يجب أن يتم تحديث في فقه الزواج وخصوصاً في عادات وتقاليد تكاليف الزواج وبناء

الأسرة, بحيث يكون ذلك بين الأزواج بالتراضي, وذلك بحسب الفئات التي يضعها الشرع ضمن

منظومة تتحدث عن أنواع الشراكة الزوجية في المجتمع ( مثال : زوج يعمل و زوجة لا تعمل, زوجة

غنية و زوج فقير, زوجة تعمل وزوج لا يعمل, أو زوجة تعمل وزوج يعمل …الخ) كما قال القرآن

الكريم ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم )النساء 29

بالطبع فإن الزواج شراكة وهي تعد من باب التجارة مع الله بين فريقين هما الزوج والزوجة.

لذا يجب أن ننتبه لفكرة التراضي بين الأزواج, ونخرج من هنا بحل يرضي رب العالمين بأن

يتعاون الزوجان عن تراضي في بناء الأسرة معاً ( وتعاونوا على البر والتقوى) والزواج والعلاقة

الأسرية هي من أعظم أعمال البر بالطبع, فهذا هو الحال الذي يتوافق اليوم مع عصرنا

الحالي, وليس كما سبق في العصور السابقة حيث كانت فرص العمل للرجال فقط, لذلك ما كان

للزوجة أن تعيل زوجها إلا إن احتاجت الأسرة لذلك ويكون ديناً على الزوج, أما اليوم فأصبح هذا

الأمر أساسياً في أغلب الأسر, لأن فرص العمل أصبحت متكافئة, بل وأصبحت في الكثير من

الأحيان تظلم الرجال.


من يخطب الزوج أم الزوجة :

ما زالت الفكرة لغاية اليوم في أغلب المجتمع بأن الشاب هو الذي يجب عليه المبادرة بالزواج,

مع أن هذا الأمر في سابق العهد في الإسلام لم يكن كذلك, و أيضاً في القرآن الكريم ليس كذلك,

إذ أن الحق في طلب الزواج للمرأة مثلها مثل الرجل, إذ يحق لها أن تطلب الرجل للزواج,

والنصوص كثيرة في ذلك منها قوله تعالى ( فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في

أنفسهن بالمعروف) وقوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن

أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) وقوله تعالى: (حتى تنكح زوجاً غيره ) وقوله تعالى ( وامرأة

مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ) .

إذن النصوص  كثيرة تؤكد أن للمرأة حق في الخطبة وأن تختار زوجاً لها و تطلبه للزواج ولكن

بالمعروف, أي بما يقبله العرف في ذلك المكان و الزمان, ومثال ذلك كما فعلت أمنا خديجة رضي

الله عنها, حين طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم الزواج ولكن بالمعروف المتعارف عليه

في أهل قريش بأن يأتي هو و يخطبها بعد أن عرضت عليه ليأتي لخطبتها عن طريق صديقتها بأن

عرضتها عليه بأنها موافقه عليه إن تقدم لخطبتها, أي بالطريقة التي لا تؤثر في حياء الوجه أبداً…

و أشدد على فكرة بما يتناسب مع العرف السائد في المجتمع.

 

التربية و التأهيل للزواج:

هذا أمر خطير جداً يغفل عنه الأهالي كثيراً, حيث يهتمون بأنفسهم, و بتعليم أبنائهم العلوم

الخاصة بالعمل وكسب المال, أكثر مما يهتمون بزرع قيم التواد و التراحم و التعاطف وبناء الأسرة,

وإحترام الأنثى و إحترام الرجل…الخ.

حتى أصبح اليوم الأبناء يعانون من أمراض أهلهم النفسية, ومن أمراض كسب الرزق والعمل من

أجل المال لذاته, و الأنانية وحب الذات وعدم مساعدة الآخرين, وعدم الشعور بأن الآخرين

مسؤولون منك, فتضاعفت فكرة عدم الاعتراف بالآخر لدرجة العقوق, لدرجة أن مشاعر

مساعدة الآخرين أصبحت نادرة, بل كل إنسان يقول نفسي نفسي…الخ.

 

الأسباب كثيرة:

إذن أسباب زيادة نسبة الطلاق كثيرة جداً, ويعجز المرء عن تعدادها, لأنها تنمو وتتفاقم في كل

عصر, و تتجدد بإستمرار, حيث أنه ما كان من الأسباب هامشياً في عصر ما, أصبح رئيسياً في

عصر آخر, وكذلك نجد ارتباط وثيقاً في أسباب زيادة نسبة الطلاق بالأحوال الاجتماعية,

والاقتصادية, والسياسية, والأعراف المجتمعية, وتختلف بزيادة أو نقصان من مكان لآخر.

كما وأنً فكرة تحقيق المساواة في فرص العمل للجنسين والتنافس على ذلك فاقمت الموضوع,

أما الحياء والتربية والتأهيل للزواج فهو بحد ذاته معضلة كبيرة جداً, أما كثرة المال الحرام

وانتشار الوظائف الوهمية فهو من أخطر أسباب الطلاق اليوم, لأنه جعل الناس تستغني عن

الزواج مقابل الحرام السهل والذي أصبح في متناول الجميع, وأيضاً جعل هناك إكتفاء ذاتي يغنى

عن إعالة الآخرين مادياً و نفسياً و حتى جسدياً.

 

مع كل ما شرحته من نقاط مهمة, إلا أنني أعي أني لم أغطي إلا جزء صغير جداً في هذا

الموضوع, ولكنني أعتقد أنني قد وضعت فكر جديد ونقاط مهمة يجب أخذها بعين الإعتبار في

موضوع الفقه الجديد حول شركة الزواج, كما ركزت أيضاً على فكرة الوظائف الوهمية وتأثيرها في

المجتمع, وأعتقد أن هاتين النقطتين اليوم هما من مستجدات العصر الجديد الذي بسببهما زادت

نسبة الطلاق, فلا فقه يراعي مستجدات العصر, ولا ثقافية الإنفتاح تراعي الأسرة ومنظومة

الزواج .

 

لذلك أخرج من كل ما قلته بتوصيات لعلها تكون مفيدة في تقليص مشكلة زيادة حالات الطلاق

في المجتمعات العربية.

التوصيات :

1- يجب إعادة نشر فكر جديد في المجتمع يعدل من ظاهرة الأعراف المنافية لتعاليم الإسلام.

2- يجب تجديد و نشر خطاب فقهي خاص بالأسرة والزواج يتناسب مع متغيرات العصر الجديد.

3- يجب نشر فكر التعاضد والتواد والتراحم في المجتمع – حتى تسير الأحوال لما يحبه الله و

يرضاه.

4- علينا أن نعالج فكرة التوظيف بما يتناسب مع كل فئة وقدراتها الحقيقية “النفسية

والجسمانية”, وليس التي يمكنها فعله, (فالنساء يمكنهم العمل في تزفيت الشوارع كما في

أوروبا ولكن هذا العمل ليس لهم, والرجال يمكنهم رعاية الأطفال في الحضانات ولكن هذا العمل

ليس لهم…الخ).

5- علينا أن نعيد الاستقرار لفئة الموظفين وأصحاب الدخل المحدود, من إنشاء مدن أو مشاريع

سكنية وتجمعات خاصة بهم, وأيضاً دعم خاص للسلع يكون لهم فقط, ووضع مزايا لا يتعدى عليها

أحد من الفئات الأخرى.

6- علينا أن نضع قوانين لممارسة الأعمال الحرة و إلغاء الوظائف الوهمية, بما يتناسب بالطبع مع

عدم تأثيرها بالمجتمع وأضرارها به سلباً.

7- علينا إعادة بناء الشباب بعمل دورات تأهيلية للزواج وبناء الأسرة.

8- علينا أن نشرح معنى المساواة في تكافؤ الفرص, وأن نفصل ما هو للرجل عن ما هو للمرأة

عن ما يمكن أن يتنافس عليه الإثنان, ولا نترك فكرة المساواة مشاع في كل شئ, لأن ذلك قد

وأحدث خللا كبيراً في ميزان الحياة.

 

أرجو من الله السعادة لكم جميعاً, و أن يكون المقال مفيد لكل من يقرأه

محبكم

د.فادي الكيالي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by WebEx-It ELBOUAZIZI